عبد القادر الجيلاني

212

فتوح الغيب

الجوارح والأعضاء في الاستعانة بها على الطّاعات والكفّ عن المحارم والسّيّئات ، والمعاصي والآثام ، فذلك قيد النّعم عن الرّحلة والذّهاب . وسقي شجرتها ، وتنمية أغصانها وأوراقها ، وتحسين ثمرتها ، وحلاوة طعمها ، وسلامة عاقبتها ، ولذاذة مضغها ، وسهولة بلعها ، وتعقّب عافيتها وريعها في الجسد ، ثمّ ظهور بركتها على الجوارح من أنواع الطّاعات والقربات والأذكار ، ثمّ دخول العبد بعد ذلك في الآخرة في رحمة اللّه عزّ وجلّ ، والخلود في الجنان مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [ النساء : 69 ] . فإن لم يفعل ذلك واغترّ بما ظهر من زينة الدّنيا وبما ذاق من لذّاتها ، واطمأنّ إلى بريق سرابها ، وما لاح من برقها ، وما هبّ من نسيم أوّل نهار قيظها ، ونعومة جلود حيّاتها وعقاربها ، وغفل وعمي عن سمومها القاتلة المودعة في أعماقها ، ومكامنها ومصايدها المنصوبة لأخذه وحبسه وهلاكه ، فليهنأ للرّدى ، وليستبشر بالعطب والفقر العاجل ، مع الذّلّ والهوان في الدّنيا والعذاب الآجل في النّار ولظى . وأمّا المبتلى : فتارة يبتلى عقوبة ومقابلة لجريمة ارتكبها ومعصية اقترفها ، وأخرى يبتلى تكفيرا وتمحيصا ، وأخرى يبتلى لارتفاع الدّرجات وتبليغ المنازل العاليات ليلحق بأولي العلم من أهل الحالات والمقامات ، ممّن « 1 » سبقت لهم عناية من ربّ الخليقة والبريّات ، وسيّرهم مولاهم ميادين البليّات على مطايا الرّفق والألطاف ، وروّحهم بنسيم النّظرات واللّحظات في الحركات والسّكنات ، إذ لم يكن ابتلاهم للإهلاك والإهواء في الدّركات ، ولكن اختبرهم بها اصطفاء واجتباء « 2 » ، واستخرج بها منهم حقيقة الإيمان وصفّاها وميّزها من الشّرك والدّعاوى والنّفاق ، ونحّلهم بها أنواع العلوم والأسرار والأنوار ، فجعلهم من الخلّص الخواصّ ، ائتمنهم على أسراره ، وارتضاهم لمجالسته . قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « الفقراء الصّبّر : هم جلساء الرّحمن يوم القيامة » « 3 » .

--> ( 1 ) في نسخة : ( مما ) . ( 2 ) في المطبوع : ( للاصطفاء والاجتباء ) . ( 3 ) قال الغزالي في الإحياء كما في الإتحاف ( 9 / 283 ) وانظر الأربعين في أصول الدين له ( 426 بتحقيقي ) : روي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن لكلّ شيء -